جلال الدين السيوطي
مقدمة 20
جمع الجوامع في النحو
أهل القاهرة نحو الثلث " « 1 » . كما فشت في مصر في هذه الحقبة جملة من الزلازل ، وضروب من القحط ، وسنون من الغلاء ، زادت في شقاء الناس ، وأطالت تعسهم . ورغم هذه الأحداث السياسية المضطربة ، والاجتماعية القاهرة في هذا العصر ، فقد كانت الحركة العلمية عامة والنحوية خاصة قوية ونشطة ، بفضل عزيمة علمائها التي لا تثنى وإيمانهم القوي وحرصهم على العلم واللغة . 3 - الحياة العلمية : أ - ازدهار الحركة العلمية ونشاطها في العصر المملوكي : إذا كانت بغداد عاصمة بني العباس ومركز حضارتهم قد سقطت في يدي التتار عام 656 ه « 2 » ، وبلاد الأندلس بحواضرها ومدنها المختلفة كانت تتعرض لضربات الصليبيين في نفس الوقت ، فإن مصر التي كانت تحت حكم المماليك البحرية والبرجية وقفت مدة استمرار المماليك بين بغداد والأندلس " في منتصف الطريق ، تستقبل النازحين من هنا وهناك ، وتستخلص الكتب التي نجت من هول الحريق والدمار وتفسح صدروها للعلماء الذين فرّوا من العسف والعدوان ، وتركزت آمال المسلمين في مصر ، وآمال الفكر الإسلامي في معاهد القاهرة وبخاصة الأزهر « 3 » . وبذلك تكون مصر قد ورثت الخلافة العباسية والأندلسية ونابت عنهما في النهوض بالثقافة العلمية ، وقد ذكر السيوطي ذلك فقال : " واعلم أن مصر حين صارت دار الخلافة عظم أمرها ، وكثرت شعائر الإسلام فيها ، وعلت فيها السنة ، وعفت منها البدعة ، وصارت محل سكن العلماء ، ومحط رجال الفضلاء ، وهذا سر من أسرار اللّه أودعه في الخلافة النبوية ، حيث كانت يكون معها الإيمان والكتاب " « 4 » . بهذا كله انتقل النشاط العلمي من العراق والأندلس إلى مصر وقاهرتها في عهد سلاطين المماليك ، الذين أنشأوا لهم سدا مانعا ، وردّوا التتار والفرنجة على أعقابهم خائبين ، ونشرت القاهرة زعامتها العلمية على الأقطار العربية طيلة العهد المملوكي
--> ( 1 ) انظر : بدائع الزهور 2 / 136 . ( 2 ) انظر : النجوم الزاهرة 7 / 42 . ( 3 ) انظر : الأزهر تاريخه وتطوره 11 . ( 4 ) انظر : حسن المحاضرة 4 / 94 .